Saturday, June 21, 2014

فضل العبادة زمن الفتنة



بقلم : الشَّيخ عمر الحاج مسعود -حفظه الله تعالى-






تمُرُّ بالأمَّةِ الإسلاميَّةِ أحوالٌ عصيبة، وتعصِف بها رياحٌ عاتية، وتحيط بها فتنٌ مدْلهمَّة، في ظلِّ النِّظامِ العالميِّ الجديدِ والمكر اليهودي والصَّليبي الكُبَّار والهُتاف بالأَرْبِعة العربيَّة المُبتدَعة، والمقصودُ من ذلك كلِّه: زعزعةُ عقيدةِ الأمَّة وأخلاقِها وأمنها، وبثُّ الشُّبه حول كتاب ربِّها تعالى وسنةِ نبيِّها صلى الله عليه وسلم، وإحداثُ الصُّدوعِ في البلدِ الواحِدِ وتفتيتُ قوَّتِه وبثُّ عواملِ الفُرقة بين أبنائه، والدَّعوةُ إلى الخروجِ والعصيان والفوضى تحت غطاء المطالبة بالحقوق والحريَّات ومجابهةِ القمْع والباطل والاستبداد.
وهذا ما تدعو إليه وسائلُ الإعلامِ المختلفةُ من صُحُفٍ وقنوات ومواقعَ إلكترونيَّةٍ، وتحرص عليه وتسخِّر له الألسنةَ الفاجرةَ والأقلامَ الحاقدةَ والأبواقَ النَّاعقةَ.
وإنَّ المسلمَ العاقلَ الفطِنَ ليرفُضُ تلك النِّداءاتِ المشبوهةَ ولا تغرُّه تلك الهُتافاتُ المحمومة، ولا يكترث لفتاوى حُدثاءِ الأسنانِ وسفهاءِ الأحلامِ، وإنَّما يهرُب من الفتن ويفِرُّ إلى ربِّه ويعتصم بحبله ويستمسك بغرز علمائه، ويحرِص على استتبابِ أمْنِ بلدِه، حتَّى يسُدَّ الطَّريقَ أمامَ العابثين بدين الأمَّة ولغتِها وأصالتِها وثوابتِها، الَّذين يصطادون في المياه العَكِرة، ويفسَحون المجال للأعداء والمتربِّصين ليتمكَّنوا من رقاب أبنائها ويتدخَّلوا في شؤونهم، ويخرِّبوا ديارَهم ويستبيحوا حرماتِهم ويَنهَبوا خيراتِهم.
ومن أعظم الأسباب الَّتي تقِي شرَّ الفتنِ وتحفَظُ من سوءِ عاقبتِها البعدُ عنها والاعتصامُ بالله تعالى والفرارُ إليه بعبادته ودعائه واستغفاره، وهذا الَّذي رغَّب فيه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، ونوَّه بفضلِه وأشاد بحُسنِ عاقبتِه.
فعن مَعقِل بن يَسار رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «العِبَادَةُ في الهَرْجِ كهِجْرةٍ إليَّ» رواه مسلم (2948)، وأحمد (20311) ولفظه: «العبادةُ في الفتْنةِ كالهِجرةِ إليَّ»، وله كذلك (20298): «العَمَلُ في الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ».
والعبادة: «هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه اللهُ ويرضاه من الأقوالِ والأعمالِ الباطنة والظَّاهرة»(1)، منها إخلاصُ الدِّين لله ودعاؤه والاعتصامُ بحبله، وطلبُ العلمِ النَّافع وسؤالُ أهلِه والرُّجوعُ إليهم، ومنها الصَّلاةُ والصِّيامُ والذِّكرُ، ومنها الصِّدقُ والأمانةُ وفعلُ المعروف وأداءُ الحقوق، وطاعةُ الحاكم المسلم في غير معصية الله.
والهرْج: هو القتلُ والتَّناحر والفتنةُ واختلاطُ أمورِ النَّاس، وفُشُوُّ الفوضى بينهم، روى البخاري (6037) ومسلم (157) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيُقْبَضُ العِلْمُ وَتَظْهَرُ الفِتَنُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الهَرْجُ» قالوا: وما الهَرْجُ؟ قال: «القَتْلُ».
والهجرةُ: هي الانْتِقالُ مِن بلَدِ الشِّرْكِ إلى بلدِ الإِسلام، ومنها الهجرةُ من مكَّةَ ـ لمَّا كانت دارَ كفر ـ إلى المدينة، وهي من أجلِّ العبادات وأعظمِ القُربات، وبخاصة إليه صلى الله عليه وسلم في حياته.
«كهِجْرَةٍ إِلَيَّ»: قال ابن العربي رحمه الله في «عارِضة الأَحْوَذِيِّ» (9/53): «ووجهُ تمثيلِه بالهجرة أنَّ الزمانَ الأوَّلَ كان النَّاسُ يفِرُّون فيه من دار الكفر وأهلِه إلى دار الإيمان وأهلِه، فإذا وقعت الفتنُ تعيَّن على المرْءِ أن يفرَّ بدينه من الفتنةِ إلى العبادة، ويهْجُرَ أولئك القومَ وتلك الحالةَ، وهو أحدُ أقسامِ الهجرة».
وقد شبَّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم العابدَ ربَّه وقتَ الهرْج والفتنة بالمهاجر إليه فرارًا بدينه، وسبب هذا التَّشبيه «أنَّ الناسَ في زمن الفتن يتَّبعون أهواءَهم ولا يرجعون إلى دين، فيكون حالُهم شبيهًا بحال الجاهليَّة، فإذا انفرد من بينهم مَن يتمسَّك بدينه ويعبد ربَّه ويتَّبِع مراضيَه ويجتنبُ مساخطَه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهليَّة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، متَّبعًا لأوامره مجتنِبًا لنواهيه»(2).
ولا يختصُّ هذا بآخِرِ الزَّمان، وإنَّما هو عامٌّ في سائر الأزمنة؛ لأنَّه مربوطٌ بسبب، وهو الفتنةُ والهرْجُ.
إنَّ هذا الحديثَ المبارَكَ يُرسي المنهجَ القويمَ الَّذي ينبغي أن يسلكَه طالبُ النَّجاةِ من شرِّ الفتن، وسأذكر ـ بتوفيق الله ـ أهمَّ فوائدِه، وأنبِّه كذلك على بعضِ مقاصد العبادة في زمن الفتنة، فمن ذلك:
1- فضلُ العبادة أيامَ الفتنةِ والهرج، وعِظَمُ ثوابِها ومضاعفةُ أجرِها، حيث إنَّه صلى الله عليه وسلم جعلها مثلَ درجةِ من هاجر إليه، ولا يخفى ما في الهجرة من الأجر والثَّواب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله وَالله غَفُورٌ رَّحِيم﴾[البقرة:218] وقال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون﴾[النحل:41] وقال:﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ الله يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى الله وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾[النساء:100].
وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَأَنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» رواه مسلم (121).
هذا فضلُ الهجرةِ ـ عمومًا ـ الَّتي لا تنقطعُ إلى يومِ القيامة، فكيف بالهجرة إليه صلى الله عليه وسلم خصوصًا؟
وسببُ هذا الأجرِ الكبيرِ والفضلِ العظيمِ أنَّ الفتنَ إذا عمَّت اشتغل النَّاسُ بها وأثَّرت في قلوبهم، وألْهتهم عن عبادةِ ربِّهم، ولم يتفَرَّغْ للعبادة إلاَّ القليلُ، وهم الَّذين يفرُّون إلى الله عز وجل من الفتنِ وأهلِها.
والطَّاعة إذا عُمل بها وظَهرت سهُلت وخفَّت، وإذا تُرِكَت وغُفل عنها شقَّت وثقُلت إلاَّ على الخاشعين؛ لأنَّ النُّفوس تتأسَّى بما تشاهد من أحوال بني وقتِها وتتأثَّر به(3)، ولهذا المعنى قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى للغُرَبَاءِ»، رواه مسلم (145) من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه، وجاء تفسيرُ الغرباء عند أبي عمرو الدَّاني في «السُّنن الواردة في الفتن» رقم (288) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ»(4).
إنَّ الفتنةَ كالكِيرِ يمحِّصُ الجواهرَ ممَّا يشوبُها، وفيها يتبيَّن مَن يعبدُ اللهَ ممَّن يتبع هواه؟
2- إشارةٌ إلى فضيلةِ الانفراد بعبادة الله تعالى وذكرِه وقتَ غفلةِ النَّاس واشتغالِهم بالفتنِ والشَّهوات، روى التِّرمذيُّ (3579) والنَّسائي (572) وصحَّحه الألباني عن عمرِو بنِ عبَسَةَ رضي الله عنه أنَّه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِن العَبْدِ في جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ في تلكَ السَّاعَةِ فَكُنْ»، واللَّيلُ ـ وبخاصَّةٍ آخرُه ـ وقتُ غفلةٍ وخلودٍ إلى النَّوْم.
3- أنَّ العبادة ـ التي تكون من الضُّعَفاء ـ نُصرةٌ للمظلومين وحمايةٌ للمؤمنين، وجلبٌ للأرزاق والنِّعم، ودفعٌ للفتن والنِّقم، قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُم»، رواه البخاري (2896) والنَّسائي (3178) ولفظه: «إِنَّما يَنْصُرُ اللهُ هذه الأمَّةَ بضَعِيفِهَا، بدَعْوَتِهم وصَلاَتِهم وإِخْلاَصِهم».
قال ابن تيمية رحمه الله كما في «جامع المسائل» (2/61): «فإنَّ الله ـ بعباداتِ عبادِه المؤمنين ودُعائِهم ـ يَجلِبُ للنَّاسِ المنافعَ ويَدْفَعُ عنهم المضارَّ... وانتفاعُ الخَلْقِ بدعاءِ المؤمنين وصلاتِهم كانتفاع الحيِّ والميِّتِ بدعاء المؤمنين واستغفارِهم، ونزولِ الغيثِ بدعاءِ المؤمنين واستغفارِهم، والنَّصْرِ على الأعداءِ بدعاء المؤمنين واستغفارهم، وأمثال ذلك ممَّا اتَّفق عليه المؤمنون».
4- أنَّ المنفردَ بالطَّاعة من بين أهل المعصية والغفلة قد يدفع الله عنهم بصلاته البلاءَ، وينجِّيهم بدعائه من الفتنة.
وقال غيرُ واحد من المفسِّرين في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾[البقرة:251]، «لولا أن الله يدفع بمن يصلِّي عمَّن لا يُصلِّي، وبمن يتقِّي عمَّن لا يتقِّي لأهلك النَّاسَ بذنوبِهم»(5).
5- أنَّ في أيَّام الفتن تَهيجُ النُّفوسُ وتَنزعِجُ القلوبُ وتَطيشُ العُقولُ وتَضطَربُ الأمورُ وتفشو الفوضى ويذهبُ الأمنُ، فلا يصلُح حينئذ إلاَّ العبادةُ والذِّكرُ والاستغفارُ رجاءَ الحصولِ على الثَّباتِ والسَّكينة والطُّمأنينَة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ الله أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب﴾[الرعد:28]، روى الطَّبري في «تفسيره» (13/518) عن قتادة رحمه الله قال: «سكنت إلى ذكر الله واستأنست به»، وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا الله ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾[الأحزاب:41 - 43].
6- أنَّ العبادة شِفاء لما تدعو إليه الفتن من الأمراض، فتطهِّر النُّفوس من التَّهوُّر والاندفاع، وتزكِّيها من حبِّ الشُّهرةِ والظُّهور، وتَحميها من الطَّمع والحرصِ على المال والرِّئاسة والزَّعامة والمنافسةِ فيها.
روى مسلم (2965) أنَّ سعدَ بن أبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قال له ابنهُ عُمَرُ: «أَنَزَلْتَ في إبلِك وغَنَمِك وتركتَ النَّاسَ يتنازعون الملكَ بينَهم؟»، فضرب سعْدٌ في صدرِه، فقال: «اسْكُتْ، سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُول: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِىَّ الغَنِىَّ الخَفِيَّ»، والعبدُ الخفيُّ هو المنقطِعُ ـ زمنَ الفتنة ـ لعبادة ربِّه، المشتغلُ بما ينفعُه، الَّذي لا يريد علوًّا في الأرض ولا فسادًا ولا يبغي شُهرةً ولا منصِبًا.
قال ابن بطَّة رحمه الله في «الإبانة الكبرى» (2/600): «فرحم الله عبدًا آثرَ السَّلامةَ ولزِم الاستقامةَ، وسلك الجادَّةَ الواضحةَ والسَّوادَ الأعظمَ، ونَبذ الغلطَ والاستعلاءَ، وترَك الخوضَ والمراءَ والدُّخولَ فيما يضرُّ بدينِه والدُّنيا، ولعلَّه ـ أيضًا ـ مع هذا لا يسلَم من فتنة الشَّهوة والهوى».
7- أنَّ العبادة تُستَدْفَع بها المصائبُ والمضارُّ والفتن؛ لأنَّ سببَها الذُّنوبُ، فإذا تاب أصحابُها واستغفروا ربَّهم منها، وفرُّوا إليه بعبادته وذكره والتَّضرُّع إليه، نجَّاهم منها ووقاهم شرَّها، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُون* فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون﴾[الأنعام:42 - 43]، وعن أُمِّ سلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالت: استيقظ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليلةً فزِعًا يقول: «سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أَنْزَلَ الله من الخَزَائِنِ ومَاذَا أُنْزِلَ منَ الفِتَنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ ـ يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ ـ لِكَيْ يُصَلِّينَ؟، رُبَّ كَاسِيَةٍ في الدُّنْيَا عَارِيَةٍ في الآخِرَةِ» رواه البخاري (7069).
قال ابن حجر في «الفتح» (13/23): «وفي الحديث النَّدبُ إلى الدُّعاء والتَّضرعِ عند نزول الفتنة ولا سيَّما في اللَّيل لرجاء وقتِ الإجابةِ، لتُكشَف أو يَسلَمَ الدَّاعي ومَن دعا له، وبالله التَّوفيق».
وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرْبِ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ ورَبُّ الأَرْضِ ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» رواه البخاري (6346) ومسلم (2730) وله في رواية: «كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قال...».
وروى أبو داود (1319) وحسَّنه الألباني عن حذيفة رضي الله عنه قَال: «كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا حزبهُ أمرٌ صلَّى».
فهديُه صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرٌ ـ أي نابَه وألمَّ به واشتدَّ عليه ـ أن يستغيثَ بربِّه، ويفزَعَ إلى مناجاتِه ودعائِه والتَّضرُّعِ إليه، ليرفعَه عنه ويُبدِلَه مكانَه فرَجًا وطمأنينةً وأمْنًا، بخلاف ما عليه النَّاسُ اليومَ ـ مع كثرة الفتن والمصائب ـ من الغفلة عن كلِّ ذلك، واتِّباعِ الشَّهوات وإضاعةِ الصَّلوات، والسَّهَرِ على تتبُّع المواقع ومشاهدة القنوات، والمنافسة في المناصب والوِلايات، وحديثُ معقلٍ رضي الله عنه يتضمَّنُ تشبيهَ هؤلاء بالقاعدين عن الهِجرة التَّاركين لها.
8- أنَّ التَّفرُّغَ للعبادة انصرافٌ عن القيل والقال وكثرةِ السُّؤال وإضاعةِ الوقت، وتركٌ لما لا يعني الإنسانَ من الأخبار والعلاقات والمعاملات والمجالس، وإعراضٌ عمَّا لا يُحسِن وعمَّا ليس هو من أهله في دبيرٍ ولا قبيل، ولا له فيه ناقةٌ ولا فصيل.
ولا شكَّ أنَّ هذا أسلمُ للعبد وأحوطُ، وأبعدُ عن مشاركته في إحداثِ الفوضى والاضطرابِ وسفكِ الدِّماءِ ونشْرِ الأكاذيب وإعانة الظَّلَمَةِ وقذفِ الأبرياء.
إنَّ النَّاس أيَّامَ الفتنِ يخوضون فيما لا يُحسنون، ويتأثَّرون بما يشاهدون، ويحلِّلون الأقوال والآراء، وتُثيرهم التَّهيِيجاتُ والأهواء، فتمرضُ قلوبُهم ويفسُدُ تفكيرُهم، ويغفُلون عن عبادة ربِّهم، ويُهمِلون مصالحَهم وبيوتَهم ويفرِّطون في أماناتِهم، ومن اشتغلَ بما لا يَعنيه ضيَّع ما يَعنيه.
وخيرٌ لهم ـ لو كانوا يعقلون ـ الاشتغالُ بالعبادة والعلم والتَّعليم والفرارُ من جميعِ النِّداءات المحمومةِ والمؤثِّراتِ المهلكةِ والسُّيولِ الجارفة، فهذا هو الاشتغال بما ينفع ويعني، والحرصُ على ما يُثمِرُ ويَبْني، ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ الله وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾[التوبة:109].
والله من وراء القصدِ وهو يهدي السَّبيل، وصلِّ اللَّهمَّ وسلِّمْ وباركْ على نبيِّنا محمَّدٍ الرَّحمةِ الُمهداةِ والمِنَّةِ المُسْداةِ، وعلى آلِه الأبرار وصحبِه الأخيار، وعلى التَّابعين لهم بإحسان إلى يوم القرار.

--------------------------

(1) :«مجموع الفتاوى» (10/149).
(2): قاله ابن رجب في «لطائف المعارف» (ص 132).
(3): انظر «لطائف المعارف» (ص 132).
(4): انظر «الصَّحيحة» للألباني (1273).
(5): انظر «المحرَّر الوجيز» (1/338).

إصلاح النفوس دوره وأهميته للشيخ عمر الحاج مسعود



إنَّ اللهَ ـ جلَّ وعلا ـ بعث الأنبياءَ والمرسلين ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ وأنزل الكتبَ وشرع الأحكامَ لتطهير القلوب من أَدْرَانِها وتزكيةِ النُّفوس من أَوْضَارِهَا، وأصلُ ذلك وأساسُه توحيدُ الله وعبادتُه وحده لا شريك له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾ [الأنبياء: 25].
فلا سعادةَ للعبد ولا صَلاَحَ لقلبه ونفسه إلَّا بتوحيد ربِّه وعبادته ومحبَّتِه وتعظيمه وخوفه ورجائه، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22].(1).
وقال ـ عزَّ وجلَّ ـ مُبَيِّنًا وظيفةَ نبِيِّه محمدٍ ـ صلَّى الله علَيه وسلَّم ـ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)﴾ [الجمعة: 2].
يُزكِّيهم: يطهِّرُهم من الشِّرك والجهلِ والبدعة والأعمال الفاسدةِ والأخلاق القبيحةِ والصِّفات الذَّميمة، ويُنَمِّي نفوسَهم بالتَّوحيد والطَّاعة والأخلاق الحسنة.
ويعلِّمُهم الكتابَ والحكمةَ؛ أي القرآن والسُّنَّة، فبالعلم والتَّزكية ـ وإن شئتَ قلتَ: «التَّصفية والتَّربية» ـ تَطْهرُ قلُوبُهم وتَزْكُو نفوسُهم وتَصْلُح أعمالُهم وتَحسُن أخلاقُهم، ولهذا لمَّا هاجر بعض الصحابة - رضي الله عنهم - إلى الحبشة سألهم النَّجَاشيُّ عن دينهم، فقال له جعفر بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: «أيُّها الملِك كنَّا قومًا أهلَ جاهليةٍ نعبُد الأصنامَ، ونأكل الميتةَ، ونأتي الفواحشَ، ونقطعُ الأرحامَ، ونُسِيءُ الجوارَ، ويأكل القويُّ منَّا الضَّعيفَ، فَكُنَّا على ذلك حتَّى بعث الله إلينا رسولاً منَّا نعرف نسبَه وصِدْقَه وأمانتَه وعَفَافَه، فدعانا إلى الله لنوحِّده ونعبدَه ونخلعَ ما كنَّا نعبد نحن وآباؤُنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمَرنا بصِدق الحديثِ، وأداء الأمانةِ، وصلة الرَّحِمِ وحسن الجوار، والكفِّ عن المحارمِ والدِّماءِ، ونهانا عن الفواحشِ وقولِ الزور ... ».(2).
وقام النَّبِيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بهذا العمل ـ إصلاح النُّفوس ـ أحسنَ قيام وأكملَه وأَتَمَّهُ حتَّى صار جيلُ الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ أعظمَ النَّاس عِلْمًا وأكملَهم إيمانًا وأبَرَّهُم قلوبًا وأتقنَهم عَمَلاً وأحسنَهم خُلُقًا، وجعل الله منهم خيرَ أمَّة أُخْرِجَتْ للنَّاس،قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: 110].
إنَّ إصلاحَ النُّفوس وتربيتَها بالعلم النَّافع والعملِ الصالح والتَّوحيدِ والسُّنَّةِ أصلٌ في بِنَاءِ المجتمع على منهاج النبوَّة.
وإذا نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم وجدنا انحرافًا كبيرًا في عقيدتهم وأخلاقهم، ورأينا فسادًا عريضًا في عباداتهم ومعاملاتهم، فيتعيَّن على أهل العلم وطلبته ـ وهم المصلحون حقًّا ـ تعليمُ النَّاسِ عقيدتَهم وعباداتِهم وجميعَ أمورِ دينِهم، وتحذيرُهم من الأهواء المضِلَّة والفِتَنِ المهلكة، وإصلاحُ الفساد الواقع في العقيدةِ، مثل: عبادةِ القبور ودعاءِ الموتى ومعاملةِ السَّحرةِ والمشعوذين، وإزالةُ الآفات الاجتماعيَّة الَّتي عمَّتْ وأَعْمَتْ، مثل: الرِّبَا والزِّنَا والرّشوة وتعاطي المخدِّرات ... ، وتصحيحُ المفاهيم الخاطئةِ المتعلِّقة بمسائل الإيمان والكفر، والسُّنَّةِ والبدعةِ، والولاء والبراء، والمعروفِ والمنكر ... حتَّى تُفْهَم فهمًا صحيحًا يُوافق الكتابَ والسُّنَّةَ بفهم سَلَفِ الأمَّةِ.
إنَّ الإصلاح هو عمليَّةُ إنقاذ النُّفوس والقلوب من ظُلمات الجهل والشِّرك والبدعة والمعصية إلى نور العلم والتَّوحيد والسُّنَّةِ والطَّاعة، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)﴾ [الأنعام: 122]، وبذلك تَعْمُرُ البواطنُ بالإيمان والتَّقوى والإخلاص والمراقبة والمحبَّة والخوف والرَّجاء، وتصلحُ الظَّواهر بالعمل بالشريعة السَّمْحَةِ والسُّنَّةِ المطهَّرة، وتظهر عليها الأخلاقُ الحسنةُ والمعاملاتُ الطَّيِّبَة، قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)﴾ [آل عمران: 113 ـ 114].
وقال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ».(3).
إنَّ إصلاح الفرد والمجتمع والأمَّة هو السَّبَبُ في رجوع مَجْدِ المسلمين الأصيل، وعَوْدَةِ عِزّهم الأثيل، قال الله تعالى: ﴿وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 08]، وقال النَّبِيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلى دِينِكُمْ»(4).
وهو سببٌ كذلك لنيل الرِّفعة والشَّرفِ والبعدِ عن الهلاك والتَّلَفِ، وانتشار الأمن والسَّلام وحلول الأمان والوِئام، قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ [العصر: 1 ـ 3]، وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾ [الأنعام: 82]، وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾ [النحل: 97]، وقال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: «بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»(5) .
وجاء تفسير الغرباء عند غير مسلم من حديث عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قيل: مَنْ هُم يا رسول الله؟! قال: «الَّذِينَ يَصلُحُون إذَا فَسَدَ النَّاسُ» (6) .
وهو سبيل النَّصْرِ والتَّمْكين والانتصار على أعداء الدِّين، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾ [النور: 55]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ [محمد: 07]، وقال النَّبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلاَتِهِمْ وَإِخْلاَصِهِمْ»(7).
وهو كذلك سبيلُ النَّجاة من الفِتَنِ وطريقُ السَّلامة من المحَنِ، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾ [هود: 116 ـ 117]، وقال النَّبيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلاَ يَسْتَجِيبُ لَكُمْ»(8).
إنَّ شخصيةَ المسلم المنشودَةَ ومكانَتَه المفقودةَ لن تعود إلاَّ بالصَّلاَحِ والإصْلاَحِ بالمعنى الشرعيِّ الصَّحيح، ومن رَامَ الوصولَ إلى ذلك دونَ تحقيقِ التَّوحيدِ الخالصِ والعبادةِ الصَّحيحةِ والأخلاق الحسنةِ والاجتماعِ على الكتاب والسُّنَّة بفهم سلف الأمَّة، فَمَرَامُهُ ضَرْبٌ مِنَ المُحَالِ، وسُؤالُه نوعٌ من الخيالِ.
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 109].
وصدَق إمامُنا مالك، إمامُ دار الهِجْرَةِ ـ رحمه الله ـ، حيث قال في كلمتِه الذَّهبيَّة: «لا يَصلُح آخرُ هذه الأمَّة إلاَّ بما صَلَح به أوَّلها».
فنسأل الله العظيمَ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا صالحين مُصلحين هداةً مُهْتَدِين، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ونبيِّه محمَّد وعلى آله وصَحْبِه أجمعين.
--------------------------------------
(1 ) انظر: «مجموع الفتاوى» (1/ 24)، «جامع العلوم والحكم» (1/ 153).
(2) أخرجه أحمد (رقم1740).
(3) أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599).
(4) أخرجه أبو داود (3462).
(5) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (145).
(6) انظر: «الصحيحة» (1273).
(7) أخرجه البخاري (2896)، والنَّسائي (3178) واللَّفظ له.
(8) رواه أحمد (23620)، والتِّرمذي: (2169)، وقال: «هذا حديث حسن».