Monday, February 3, 2014

المشكاة

لكل منا أسئلة ترد على ذهنه يريد لها جوابا ، وكم يكون سعيدا إذا وجد إجابة تنير عقله  ،  وتزيد علمه فتشعر بأن العقل أضاء بمشكاة العلم ونور الحكمة ، ولولا العلم لأظلم العقل ولكنه سبحانه ذو الفضل العظيم (عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ) فما أنفع العلم بنور الله (مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ ) الأية

فكن أيها القارئ الكريم من أهل الصفوة يقتبسون من نور المشكاة علماً ينور طريقهم وقلوبهم فينفعهم ( يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ)


غرفة واحدة فقط


الواقع يجعلك تشعر بأنك في بيت لأسرة فقيرة تتكون من غرفة واحدة تهالك  سقفها من تسرب المياه من الطابق الأعلى بالاضافة إلى تهالك الصرف وانسداد المواسير فانعكست برائحة لا داعي لوصفها كل ذلك في غرفة اجتمعت فيها كل مرافق البيت المعاصر من مطبخ وحمام وغرفة معيشة وغرفة نوم يعيش أهل البيت على مختلف أعمارهم يمارسون حياتهم دون اهتمام بضيق المكان وتنوع استخدام الغرفة الواحدة وليت الواقع ينته عند هذا الحد بل ترى بعض أهل البيت يلعبون ويجرون في أرجاء الغرفة المعمورة وترى البعض الآخر يتشاجرون على الجلوس في أحد الأماكن المميزة وهناك من يجلس وحيدا ويلعب ويأكل وفي تلك الأثناء المثيرة تجاهد الأم من أجل عمل الغداء للزوج المطحون الذي سيأتي قرب منتصف الليل ليجد أولاده يصرخون ويتشاجرون ويتقاذفون بالأشياء !
إنها الحياة في مصرنا المحروسة بيتنا المعمور بأهله ، المتنوعون في طريقة حياتهم ، وكل له الحق في العيش بطريقته ومنا المطحون في السعي على لقمة العيش وعلينا أن نتكيف في تلك الغرفة عفوا أقصد البلد المحروسة بشوارعها وأحيائها وناسها وصراعاتها .
 إذا لم تشعر أيها القارئ الكريم ببعض تلك الأشياء فأنت لست من صنف المطحونين الذين أصبحوا ضمن المعجنة أو المطحنة التي جعلتهم مصريين بحق ..فأنت مصري من طبقة أخرى تعيش بجسدك مع المصريين لكن لا تخالطهم بمشاعرك فأنت تجلس في زاوية من الغرفة وتعيش حياتك ! ولكن احذر فهي غرفة واحدة فقط !

مرض الأمم


إن حوادث الزمان فيها من الدروس والعبر لمن تأملها بعقل وحكمة وما أقلهما في تلك الأحوال التي ترى فيها من الشخصيات التي طفت على سطح الأحداث العظام في الثلاث سنوات الماضية تتظاهر بالشرف والوطنية والنزاهة بوجه تظنه من النظرة الأولى صادقا لكنه مع تقلب الأمور وتبدلها ترى التذلف والتغير والتناقض .. فما أشد جرأتهم على التبجح .. فتحت لهم منابر الإعلام لمسخ العقول وخسف الحقيقة فهم ما بين مسخ وخسف ! ولا عجب أن تصدقها العقول الممسوخة فالطيور على أشكالها تقع ، ولكن الأعجب ألا تسمع من أصوات الحكمة والعقل صوتاً يُسمع أو نُصحاً يُقبل إلا القليل جدا !
وكأني اكتشفت حقيقة المرض وهو الجهل ، فما أشده بل هو أخطره فلن يجد العدو مرضا أشد فتكا يغينه عن أساليب أخرى مثل الجهل فهو سجن العقول وسُم الأفهام.
فمتى ننهض من غفلتنا ونُحيي أُمُتنَا بالعلم النافع وأقصد به أولا العلم بديننا الذي هو سبيل حياتنا الذي أُمِرنا باتباعه كما قال الله تعالى : "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها" وهو معيار الحق والباطل ، والحكم والتقاضي ، والحب والبغض .. وما أبعد العلم عن من يقول أن الدين لله والوطن للجميع ، فالدين والوطن لربهما الذي قال " إني جاعل في الأرض خليفة " فكيف يكون الاستخلاف بأمانة الدين معزولا عن مجتمع يقضي بحكم الله وشرعه ؟ وكأنك تقول لطالب الفيزياء في الجامعة تعلم هذا العلم فقط في جامعتك وبيتك ولا تستخدمه في الحياة العامة وكأنه علم نظري بحت !!
فالدين هو قانون الحياة العملية ، حاكم على أفرادها وأوطانها عقيدةً و عبادةً وأحوالاً أخلاقية وشخصية واقتصادية وجنائية .
فاذا اتسمت الدولة وأفرادها بسمة الإسلام فلا سبيل لعزل الشريعة عن حياة أفرادها ومجتمعها ولكن المشكلة الأكبر في أن الشريعة لايعمل بها بين الأفراد بسبب الجهل فكيف ننتظر أن يُعمل بها على مستوى الدولة ؟! فإذا بدأنا بتعلم العلم النافع وتعليمه والدعوة إليه والصبر على تلك المهمة لأضاءت العقول بأنوار الشريعة وقلت الفرقة اعتصاما بحبل الله تعالى ، ولنشأ جيل في هدايات الإصلاح على منهج الكتاب والسنة بفهم الجيل الأول الذي نشر رايات الإصلاح بعد أن تعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا إصلاح إلا من طريق النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى :
"وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٢ صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ
مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلۡأُمُورُ ٥٣
 
فتأمل أن الله عندما أضاف الصراط لنفسه وصف نفسه بأن له السموات والارض  فهو رب الكون ، والوطن له تحت سلطانه وملكه سبحانه ، فكن مثل هذا الجيل المعلم وابدأ بالعلم النافع والعمل الصالح وحسبك أيها المسلم هذا المنهج الرباني ودع عنك المناهج الارضية فلا ديموقراطية ولا ليبرالية ولا اشتراكية وإن زعم البعض أنها تتفق في الجوهر مع الإسلام فهذا للأسف قول منشأه الجهل !!


إنما يفيض النصر على أهل الانكسار والذل لله تعالى لا على أهل العجب والزهو والكبر !


قال ابن القيم - رحمه الله - عن غزوة حنين :
واقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عددهم وعددهم، وقوة شوكتهم ليطامن (أي: ينزل ) رؤوساً رفعت بالفتح، ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا رأسه منحنيا على فرسه، حتى إن ذقنه تكاد تمس سرجه تواضعا لربه وخضوعا لعظمته، واستكانة لعزته، أن أحل له حرمه وبلده، ولم يحل لأحد قبله ولا لأحد بعده، وليبين سبحانه لمن قال: (لن نغلب اليوم عن قلة) أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له غيره، وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه، لا كثرتكم التي أعجبتكم، فإنها لم تغن عنكم شيئا، فوليتم مدبرين، فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خِلَع الجبر مع بريد النصر ( ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ) [التوبة: 26] وقد اقتضت حكمته أن خِلَع النصر وجوائزه إنما تفيض على أهل الانكسار، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) [القصص:5-6]
من كتاب زاد المعاد - المجلد الثالث ص 418 ، 419
قلت : أرجو أن تتأمل قول ابن القيم : (ليطامن رؤوسا رفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، أي أن الهزيمة في حنين كانت بسبب بعض المسلمين الذين دخلوا مكة بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنهم لم يقتدوا به في خضوعه وانكساره ساعة النصر والفتح بل كانت رؤوسهم مرفوعة بالزهو والعجب بالعدة والعدد ، وظهرت آثارها في قولهم يوم حنين :(لن نُهزم اليوم من قلة) فلم يمنع وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم أن تحل بهم الهزيمة وتضيق عليهم الأرض بما رحبت مثل يوم أحد وقد عصى بعضهم أمره صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى لهم (هو من عند أنفسكم) ، فصلاح القائد والرأس لا يحول دون الهزيمة وزوال التأييد إن وجد الخلل في بعض الأتباع وإن قلوا ، هذا وهو جيش خليل الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ومعه خيرة المسلمين في مواجهة عابدي الأصنام ، فما بالنا نحن وقد استفحل الخلل فينا أفرادا وجماعات عقيدة وعبادة وأخلاقا ، وإن مكمن الخطر الأعظم هو ألا يرى بعضنا أن البلاء إنما حل من قِبل أنفسنا ويريدون أن يدفعوا البأس بأيديهم ويغفلون أو يستبعدون سببه في قوله تعالى: (وما أصابتكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وغيرها من الآيات بهذا المعنى.
ولهذا الواجب علينا أن نعي سنة الله تعالى التي لا تتبدل وهي في قوله تعالى :(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
وأخيرا ، فإن تغيير ما بنا يبدأ بالأساس من قلوبنا وأعمالنا فهما محل نظر الرب عز وجل كما جاء في حديث أبي هريرة  رضي الله عنه (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ، ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) رواه مسلم ،  فإن قسوة القلب تمنع من الانكسار والرجوع حال وقوع البلاء كما قال تعالى : (فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم..) الأية
فمتى نُقبل على قلوبنا وأعمالنا ونكون من أهل الانكسار والذل والطاعة والاتباع والاحسان فيفيض علينا النصر (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).