Monday, February 3, 2014

إنما يفيض النصر على أهل الانكسار والذل لله تعالى لا على أهل العجب والزهو والكبر !


قال ابن القيم - رحمه الله - عن غزوة حنين :
واقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عددهم وعددهم، وقوة شوكتهم ليطامن (أي: ينزل ) رؤوساً رفعت بالفتح، ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا رأسه منحنيا على فرسه، حتى إن ذقنه تكاد تمس سرجه تواضعا لربه وخضوعا لعظمته، واستكانة لعزته، أن أحل له حرمه وبلده، ولم يحل لأحد قبله ولا لأحد بعده، وليبين سبحانه لمن قال: (لن نغلب اليوم عن قلة) أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له غيره، وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه، لا كثرتكم التي أعجبتكم، فإنها لم تغن عنكم شيئا، فوليتم مدبرين، فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خِلَع الجبر مع بريد النصر ( ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ) [التوبة: 26] وقد اقتضت حكمته أن خِلَع النصر وجوائزه إنما تفيض على أهل الانكسار، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) [القصص:5-6]
من كتاب زاد المعاد - المجلد الثالث ص 418 ، 419
قلت : أرجو أن تتأمل قول ابن القيم : (ليطامن رؤوسا رفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، أي أن الهزيمة في حنين كانت بسبب بعض المسلمين الذين دخلوا مكة بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنهم لم يقتدوا به في خضوعه وانكساره ساعة النصر والفتح بل كانت رؤوسهم مرفوعة بالزهو والعجب بالعدة والعدد ، وظهرت آثارها في قولهم يوم حنين :(لن نُهزم اليوم من قلة) فلم يمنع وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم أن تحل بهم الهزيمة وتضيق عليهم الأرض بما رحبت مثل يوم أحد وقد عصى بعضهم أمره صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى لهم (هو من عند أنفسكم) ، فصلاح القائد والرأس لا يحول دون الهزيمة وزوال التأييد إن وجد الخلل في بعض الأتباع وإن قلوا ، هذا وهو جيش خليل الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ومعه خيرة المسلمين في مواجهة عابدي الأصنام ، فما بالنا نحن وقد استفحل الخلل فينا أفرادا وجماعات عقيدة وعبادة وأخلاقا ، وإن مكمن الخطر الأعظم هو ألا يرى بعضنا أن البلاء إنما حل من قِبل أنفسنا ويريدون أن يدفعوا البأس بأيديهم ويغفلون أو يستبعدون سببه في قوله تعالى: (وما أصابتكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وغيرها من الآيات بهذا المعنى.
ولهذا الواجب علينا أن نعي سنة الله تعالى التي لا تتبدل وهي في قوله تعالى :(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
وأخيرا ، فإن تغيير ما بنا يبدأ بالأساس من قلوبنا وأعمالنا فهما محل نظر الرب عز وجل كما جاء في حديث أبي هريرة  رضي الله عنه (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ، ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) رواه مسلم ،  فإن قسوة القلب تمنع من الانكسار والرجوع حال وقوع البلاء كما قال تعالى : (فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم..) الأية
فمتى نُقبل على قلوبنا وأعمالنا ونكون من أهل الانكسار والذل والطاعة والاتباع والاحسان فيفيض علينا النصر (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).


No comments:

Post a Comment